أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

27

عجائب المقدور في نوائب تيمور

فلم يكترث تيمور بقتال وحصار ، ولكن أحاطت به العساكر دائرا ما دار ، ومكث تيمور في الأمن والدعة ، وعدوه في الضيق بعد السعة ، فاضطربت الرؤوس والحواشي ، ومارت « 1 » الأنعام والمواشي ، وغص البلد بالزحام ، وهلكت الخواص والعوام ، وأضناهم التعب ، وعلاهم الصراخ والصخب ، فأرسل إليه السلطان ، يطلب منه الأمان ، وعلم أنه اختنق بسببه ، وأنه أعانه أولا فبلي به ، فذكره سابقة العرفان ، وما أسداه إليه من إحسان ، وطلب منه تأكيد الأمان بالأيمان ، فحلف له تيمور أنه يحفظ له الذمام القديم ، وأن لا يراق له دم ولا يمزق له أديم ، فخرج إليه ودخل عليه ، وتمثل بين يديه ، فدخل تيمور إلى المدينة « 2 » ، وصعد إلى قلعتها الحصينة ، وصحبته السلطان ، وقد أحاطت به جنود هراة والأعوان ، فأشار واحد من أصح أبطال صاحب هراة على السلطان ، أن يقتل تيمور ، ويجعل نفسه فداه ، وقال ما معناه : أنا أفدي المسلمين بنفسي ومالي ، وأقتل هذا الأعرج ولا أبالي ، فلم يجبه إلى إشارته ، واستسلم لقضاء الله تعالى وإرادته ، وقال : إن لله تعالى تصريفا في عباده ، ولا بد أن ينفذ فيهم سهم مراده ، ولا مفر من القضا ، ولا محيد عما قدر الله تعالى وقضى . شعر : وإذا أتاك من الأمور مقدّر * وفررت فنحوه تتوجه وهذا سر لابد من ظهوره ، فلا تبحث عن حقيقة أموره ، فمن غالب القضاء غلب ، ومن ناهب الزمان سلب ، ومن قاوى تيار المقدور غرق ، ومن استلذ بالغفلة في مشارب اللهو شرق ، وذكر في ذلك الوقت مقالة أبيه له ، واطلع على حقيقته ، ولكن السهم خرج فما أمكن رده إلى فوقته .

--> ( 1 ) - مارت : ثارت وتحركت . ( 2 ) - كان احتلال تيمور لهراة في المحرم 783 ه / نيسان 1381 م .